أبعاد الخفجى-محليات:
تجاوزت الحفاوة التاريخية التي استقبل بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز خلال جولته التي شملت أربع دول خليجية، بروتكولات العلاقات الرسمية، وواجبات الضيافة، لتحمل رسائل عميقة وواضحة عن وحدة الصف الخليجي وعمق العلاقات بين دول هذه المنظومة المنسجمة التي تعد بمثابة حصن أخير للعمل العربي المشترك، والسياسات المتناغمة في مواجهة التحديات.
معالم الاستقبال الرسمي والشعبي غير المسبوقة التي أعدت للملك، وصور التلاحم والحميمية التي وسمت لقاءات القادة حملت معاني وافية ستتلقاها بقلق لاشك أطراف إقليمية ذات أجندة مشبوهة وسياسات تخريبية في المنطقة، ومن المحتم أن هذا الدفء والترابط ووحدة الصف سيعكر صفو هذه الأطراف ومن يلتحق بمدارها.
الزيارات المؤثرة لخادم الحرمين الشريفين وترؤسه لوفد المملكة في القمة الخليجية التي استضافتها البحرين، لاشك أنها صبت جميعا في تحصين البيت الخليجي، وتعزيز العمل الجماعي في مواجهة التحديات المحيطة، وحماية دول التعاون من توابع وشظايا النيران المندلعة في دائرتها الإقليمية، كما ومواكبة التغير الجاري في نسق السياسات الدولية، وتبدل خريطة التحالفات، وهي زيارة تأتي في توقيت حساس وصعب أكد ذلك خادم الحرمين في كلمة أمام القمة السابعة والثلاثين للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حيث قال حفظه الله: «لا يخفى على الجميع ما تمر به منطقتنا من ظروف بالغة التعقيد، وما تواجهه من أزمات تتطلب منا جميعاً العمل سوياً لمواجهتها والتعامل معها بروح المسؤولية والعزم، وتكثيف الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار لمنطقتنا، والنماء والازدهار لدولنا وشعوبنا».
وأضاف الملك المفدى: «إن الواقع المؤلم الذي تعيشه بعض من بلداننا العربية، من إرهاب وصراعات داخلية وسفك للدماء هو نتيجة حتمية للتحالف بين الإرهاب والطائفية والتدخلات السافرة، مما أدى إلى زعزعة الأمن والاستقرار فيها».
كما قال العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى في كلمته الافتتاحية بالقمة: «إن الأخطار غير المسبوقة تفرض على دول مجلس التعاون الست البحث عن كل الفرص للتعامل الموحد لمواجهة مثل هذه الأخطار، أو على الأقل تقليل كلفتها وفاتورتها الباهظة».
بحنكة القائد الخبير والسياسي الحازم أدرك الملك سلمان ضرورة الإمساك بمقاليد الأمور وحماية مصالح المملكة وشقيقاتها في دول التعاون عوضا عن مواكبة رياح السياسة الدولية، وإخلاء الساحة للاعبين إقليميين ودوليين لا تتطابق مصالحهم بالضرورة مع المصالح الخليجية، إن لم تكن على الضد منها، لذا كانت جولة الملك استكمالا لسياسته المعلنة في أخذ زمام المبادرة لمواجهة الأزمات والملفات الشائكة في المنطقة، والمساهمة الفعالة في حل مشاكلها، وفي هذا السياق يدرك الملك أن ما من شيء أنجع لمواجهة هذا الظرف الإقليمي والاقتصادي الصعب من تعزيز الجهود الجماعية، وتعميق العمل المشترك، فكانت زياراته -يحفظه الله- بمثابة تفعيل لمجلس التعاون، وبعث جديد للتنسيق الخليجي في التعامل مع التحديات.
ولعله من الممكن هنا إيجاز الرسائل المهمة التي تضمنتها الزيارت الملكية فيما يلي:
-حملت الجولة الاستثنائية في توقيتها ومضامينها، والرسائل التي بعثتها، أبلغ رد على سياسة التمدد الإيراني، ومحاولات النظام في طهران إثارة القلاقل والاضطرابات في المنطقة، وبث الرسائل الطائفية بغرض إثارة الفتن والفرقة، تمهيدا لإرساء خريطة جديدة تتسنم فيها دور القيادة، تحقيقا لطموحات بائدة، لذا كانت اليد الخليجية الموحدة لطمة في وجه الطموح الإيراني الجامح، وخطابا بصوت مسموع فحواه أن البيت الخليجي سيظل محصنا ومنيعا أمام هذه السياسات العدوانية، وأن الأمن القومى الخليجي والعربي خط أحمر أمام طهران وزمرها في المنطقة.
في السياق ذاته حمل إعلان التحالف الإستراتيجي بين دول مجلس التعاون وبريطانيا رسالة حازمة أخرى لإيران، غير أنه من وجه آخر مثل استجابة واقعية للتغير الذي اعترى التحالفات التقليدية في المنطقة والعالم، الأمر الذي أكد أن المملكة ودول التعاون عزمت على أن تعيد النظر في خريطة تحالفاتها بشكل واقعي، وذلك عبر توسيع دائرة التحالفات، وتعزيز العلاقات الإستراتيجية مع أكثر من طرف من القوى الدولية، وتاليا تعزيز الحضور الخليجي في مراكز صنع القرار في السياسة الدولية.
إدراكا من خادم الحرمين الشريفين وأشقائه قادة دول التعاون للظرف الاقتصادي العالمي الذي يمس بشكل مباشر دول التعاون ممثلا في هبوط أسعار النفط، وتأثير ذلك على الخطط التنموية في دول المجلس، وضعت الجولة الملكية وقمة المنامة لبنة جديدة ومهمة في منظومة العمل الخليجي الجماعي عبر تسريع الخطوات نحو الاتحاد الخليجي وإنشاء السوق الخليجية المشتركة، تلبية لطموحات شعوب التعاون، وضمان استمرار الرخاء والتنمية والاستقرار في دول المجلس.
رسخت الجولة الملكية كذلك الخط العام لسياسة الملك في ضرورة تولي دول المجلس بشكل مباشر لمصالحها الإقليمية عبر المساهمة الأساسية في حل قضايا وأزمات المنطقة، في اليمن وسورية والعراق، وكذلك لعب دور وازن في استقرار سوق النفط، أي أن دول المجلس شرعت في نزع شوكها بيدها، تحقيقا لمصالحها وحماية لاستقرارها وأمن شعوبها.
اختتم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز جولته الاستثنائية أمس الأول السبت، بعد مهمة ناجحة أسست لانطلاقة جديدة للعمل الخليجي، كما عملت على تحصين دول التعاون ورسم معالم واضحة للطريق في هذه الأجواء الملبدة.